الأربعاء، 14 يونيو، 2017

لاجئة سورية في ألمانيا: كل الطرق تؤدي الى الشام

كان السفر إلى خارج سوريا حلما صعب التحقيق، أما الآن وقد اصبحت اوروبا التي شغلت أحلامنا خياراً متاحاً، أشعر بأني حبيسة الاتحاد الأوروبي، وعواصمه لا تشبه سوى جدران سجن يفصلني عن سوريا. أصبح السفر إلى سوريا ضرباً من الجنون.


ما إن تطأ قدماي باريس حتى تبدأ آلة الأكورديون  الموسيقية عزفها في رأسي دونما انقطاع. أسير في شوارعها بغبطة عظيمة، ربما إكراماً لكل الأحلام والأفكار التي ضج بها خيالي سابقاً حين كانت زيارة هذه المدينة المشتهاة، التي تردد اسمها في كل الأفلام الرومانسية، حلماً وردياً يصعب الوصول إليه إلا عبر مركبات الخيال والأماني. لم تكن زيارة باريس مستحيلة حقاً، إلا لما تتطلبه الإجراءات المعقدة من وقت وجهد ومال، وتقريباً استحالة الحصول على التأشيرة. لذا اقتصرت الرحلات السياحية التي كنا نقصدها، ضمن نطاق المدن السورية، التي تحمل تاريخاً غنياً، أو مناظر طبيعية خلابة إذا ما أذهلتنا، وُصفت وكأنها "قطعة من أوروبا". على الرغم من ذلك، كانت تطلعاتي وأحلامي بالسفر تتجاوز حدود البلد أو بالأحرى القارة كلها. كنت قد فتنت بكل الأسماء الرنانة التي تصدح في التلفاز، وتملأ الكتب، وتحظى باستضافة الأفلام العالمية.

ما يؤرقني بعد أن أصبحت أكثر قرباً لما وصفته بالمستحيل، أن تلك الأماكن التي غادرتها، ورغم قربها، باتت بعيدة، كتلك القلعة في مدينتي، التي لم أزرها يوماً لتربعها الدائم على مشارف المدينة. كانت تبعد دقائق فقط، غير أنني لم أزرها. إذ امتلأ رأسي حينها بصور عن لندن، وباريس، وروما، وأمستردام، كل تلك العواصم التي سخرنا من حلمنا المتواضع أمامها. بعد قدومي إلى ألمانيا وإدراكي سهولة التنقل بين هذه "الأحلام"، وجدت نفسي أبحث عما يشابه المدن السورية، التي كانت بديلة لوجهات سفري الحالمة لأعوام.فلا سماء زرقاء كسمائها، ولا شمس حارقة كشمسها، لا شوارع ضيقة فوضوية كتلك الشوارع، ولا بحر يضاهي المتوسط. صحوت فجأة لأجد بأن هناك صور لم التقطها لحجارة قد هدمت مصطحبة معها تاريخ حضارة كاملة، وهناك أعمدة لم ولن ألمسها، بعد أن دمرها سرطان الحرب الذي انتشر غير عابئ بالأشباح التي خلفها. هناك مناطق لم أزرها، وقد لا تنتظر قدومي المجهول، وأخرى تغيرت حيث لم يبق من روح الديار إلا ذاكرة متعبة.

خلال إقامتي في ألمانيا، اختلفت فكرة السفر والمكان الجديد كلياً. أجدني أبحث عن وجهة جديدة بمواصفات قديمة. وكأنني سجينة منطقة الشنغن أو الاتحاد الأوروبي، أتنقل بين بلدانه لا يذهلني سوى تشابه يجمع بين هذه البلدان، وبين النطاق السياحي الصغير الذي كان لأعوام مقصد عطلاتي. قد أجد تشابهاً حيث لا تشابه، وقد يسعدني طقس حار مشابه لصيف طفولتي، وسنوات طويلة أخرى اشتكيت شمسها الحارقة، يملأ الآن رئتي

بالأوكسجين حين تُخنق حرارته آخرين. فقد فقدت هذه العواصم الشهيرة التي كان يرتعش قلبي لذكرها تأثيرها في نفسي، أتردد واقلب الخارطة مراراً وتكراراً بين هذه الدول الكبيرة قبل تحديد وجهتي القادمة، بيد أنني قد فقدت الدهشة حين أصبحت الأشواق أكثر صخباً.

أتابع السير في شوارع باريس بنبض مختلف، ونظرات مختلفة، وأفكار مختلفة، ما عادت خطى نابليون وعظماء التاريخ يشغلني وقعها على أرصفة الشانزلزيه، ولا قصص الملوك التي تركت آثارها على جدران فرساي، أو قوس النصر، أو زوايا المتاحف تلفتني. كل ما يجذب انتباهي ملامح تعيد إلي صور قديمة من دمشق في بعض الأبنية التي ترك الاحتلال الفرنسي لمساته فيها خالدة، أو ملامح أخرى في أبنيتهم ربما قد حملوها من شرقنا. أزقة ضيقة تتشابه مع أزقتها، وشوارع عريضة قد تشبه مدينة أخرى في بلدي تفصلني عنها مسافات شاسعة، وحرب، وأسوار رعب مرتفعة جداً، يقف حنيني أمامها عاجزاً.

تواصل آلة الأكورديون العزف في رأسي، بالتزامن مع كلمات باللغة الفرنسية، التي طالما أحببت، لا تصمت إلى أن أغادر المدينة الرومانسية عائدة إلى ألمانيا بينما أفكر بوجهتي التالية مع إيمان لا يتزعزع، أنني سأرى كل طرقات أوروبا تؤدي إلى الشام.