السبت، 24 سبتمبر، 2016

جريمة مرعبة تهز جرمانا.. حاوره بعد ذبحه سائلا عن مكان المال.. ثم احرقه


قبل ان ابدأ بسرد وقائع هذه الجريمة وتفاصيلها، يهمني ان اتكلم عن نقاط هامة جداً.. هي وحشية هذه الجرائم وان ضحاياها كانوا يعيشون حياتهم بشكل عادي قبل ان يعصف بهم الدم، وان من يرتكب هذه الجرائم قاصرون من المفترض ان يكون في داخلهم بقايا للطفولة بمكان.


ما ان جلسنا، وقبل ان نبدأ الحديث عن تفاصيل الجريمة ومجريات التحقيق، قال لي مصدري الأمني الخاص: "هي الازمة هاد الجيل هوه الازمة الحقيقية.. كلشي بيتصلح بس الجيل يلي تربا وكبر على الحرب والدم مين بدو يصلحو!؟"

تردد صدى هذه الكلمات كثيراً في داخلي، خاصة ان لقاءنا السابق لم يمضي عليه سوى فترة قريبة.. يومها كان سبب اللقاء هو جريمة الشابة "خلود المنجد" التي تعاونت ثلاث قاصرات على قتلها .. اليوم تتكرر الحكاية بوحشية لا تقل عن الجريمة السابقة وايضاً في جرمانا، فقط بأسماء مختلفة.

يسكن "العم كاظم" بمنزل لوحده في حي الجناين بمدينة جرمانا .. يعيش ما تبقى من العمر حياة عراقي ميسور هجرته الحرب من بلده وتوزع أولاده بعيدا عنه.

تردد العم كاظم (أبو كرار) بشكل مستمر الى احد المطاعم في جرمانا، حالته المادية كانت تسمح له بتناول الطعام الجاهز بشكل شبه دائم .. هذا الأمر جعله محط انظار العاملين بالمطعم، الذين تراكضوا للتعرف عليه ومن ثم بناء نوع من الصداقة معه بقصد التسلي او الانتفاع..

في الحقيقة لعب نمط حياة أبو كرار (الوحداني) الدور الأكبر في السماح للكثيرين بالتعرف عليه وزيارته في منزله بشكل متكرر والسهر معه، لكن اكثرهم قرباً كان المدعو "وائل" الذي لا يتجاوز عمره 17 عاماً (مواليد 1999) العامل في ذات المطعم والذي لا يفارق أبو كرار منذ دخوله حتى مغادرته خدمة ورعاية.
تقرب وائل من أبو كرار ساهم في ان يعرف ما معه من أموال وكيف يعيش هذا الرجل الوحداني، في المقابل لم يكن يرى أبو كرار بوائل اكثر من عامل يريد الاسترزاق من خلال العمل بالمطعم ليجمع ما يعينه على العيش .. ولا بأس من بناء علاقة معه لكي يحصل على رعاية خاصة في كل مرة يأتي بها للمطعم.

تكررت زيارات وائل لابو كرار بالمنزل، استطاع من خلال هذه الزيارات ان يجمع ما ظن انها المعلومات الكافية لكي ينفذ ما يدور في رأسه .. سلب أبو كرار بعد تخديره او حتى قتله .. المهم هو الحصول على ما معه من أموال.

حوار الدم .. بين القاتل والضحية

بتاريخ 26/8/2016 حسم وائل امره وقرر ان يزور الضحية الزيارة الأخيرة .. كانت الخطة بسيطة ومحكمة بذات الوقت.. علبتان من مشروب البيره الغازية وبضع حبات منوم يضعها للضحية قبل سلبها او قتلها ..
حل المساء ووصل وائل لمنزل الضحية كما هو متفق وقد اصطحب معه علبتان معدنيتان من المشروب وقد اخفى حبات المنوم في جيبه لكي يدسها لابو كرار في الوقت المناسب لشربها، كي يغط بسبات عميق يسمح له بتفيش المنزل واخذ مافيه من مال واغراض ثمينة ..

جلس وائل الى جانب مضيفه يتبادلان اطراف الحديث، لم يكن هذه المرة أبو كرار يرغب بتناول أي شيء .. حاول وائل كثيراً ان يقنعه بالشراب دون جدوى.. إما ان الضحية ارتاب من إصرار القاتل، او انه كان خلال لحظات حياته الاخيرة لا يرغب بالفعل بتناول أي شراب.
بعد مرور بعض الوقت، وضع وائل يده في جيبه تلمس الحبات المخدرة التي كان من المفترض ان يدسها في مشروب أبو كرار وقد اقتنع ان لا جدوى منها بعد الآن .. تلمس ايضاً سكينه الكبيرة التي اخفاها في ثنايا ملابسه .. تيقن ان عليه استخدامها بعد ان رفضت ضحيته التخدير دون ان تعلم.

جملتان عاديتان اخرج بعدها وائل سكينه وعاجل الضحية المسكينة بطعنة غائرة في الرقبة .. نحر وائل أبو كرار المصعوق امام ذابحه المتوحش، اخرج وائل سكينه من رقبة الضحية واخذ الدم يملأ المكان بينما ارتدى وائل قفازات مطاطية احضرها معه.

وكأنه مشهد من مشاهد رعب "داعش" حاور القاتل الضحية "المذبوحة" بينما الدم يسيل منها .. ليس ذبحاً بل نحراً .. ظل أبو كرار على قيد الحياة يستمع لاستجواب اخضعه له القاتل .. ( وين حاطط مصرياتك؟) كان هذا سؤال وائل لضحيته

أجاب أبو كرار ( تركني انا عندي ولاد بعطيك قد ما بدك مصاري)
أعاد وائل سؤاله: ( وين مصيراتك ؟ .. جاوب ؟ )
أجاب أبو كرار على السؤال مرشدا قاتله لمكان في المنزل وضع فيه احدى ملابسه قائلاً له انه سيجد في الجيب مبلغ 50 الف ليرة سورية، طالباً منه ان يتركه بعدها وان ينقذه.. كان دم أبو كرار يملأ المكان .. الطعنة الغائرة التي تشبه النحر في الرقبة تماماً جعلت دم الضحية نافرا بغزارة ولم تسمح أساسا باستمرار حوار الدم هذا لاكثر من لحظات قصيرة ..

ذهب القاتل للمكان الذي ارشده اليه أبو كرار .. وجد قطعة الملابس بالفعل لكنه عندما مد يده الى داخلها لم يجد اكثر من 3 آلاف ليرة سورية !! .. عاد لابو كرار غاضباً ليجده قد لفظ أنفاسه الأخيرة بعد نزاع وشخرات وانفاس بطعم الدم .. اصبح على وائل التعامل مع الواقع الجديد .. لقد قتل أبو كرار من اجل مبلغ صغير .. الهاتف الجوال لا ينفع، بإمكان الامن ان يستعمله كدليل ضدي (كما قال في اعترافاته لاحقاً) اخذ وائل المبلغ الصغير .. احضر من ملابس ضحيته ما يناسبه وقام بتغيير ملابسه لانها امتلأت بدم الضحية.

وضع وائل بطانية صغيرة على ضحيته .. وقرر ان يرمي ملابسه في مكان بعيد بعد ان ارتدى ملابس الضحية ..
ذهب الى المطبخ من جديد قام بكسر هاتف ابو كرار وعاد محضرا معه مشروب كحولي وجده بالمطبخ .. افرغ وائل كامل القنينة على البطانية التي تغطي أبو كرار المذبوح .. واشعل النار بها تاركاً المكان وقد بدأت النار بالتهامه ..

وصل فوج إطفاء جرمانا وقوى الامن الداخلي الى منزل الضحية في حي الجناين وقد التهمت النار الصالة الرئيسية فيه ومعها أجزاء من جسد المغدور .. في ذات الوقت كان القاتل وائل في طريقه الى منزله بعد ان رمى ملابسه وآداة الجريمة في احد البساتين التي تقع على اطراف المدينة، ليكون في صباح اليوم الثاني هارباً بمحافظة حمص، بعيداً عن كل ما اقترفه.

الإيقاع بالمجرم ..

منذ اللحظات الأولى كان الغموض هو العنوان العام لجريمة مقتل "أبو كرار" قسم ناحية جرمانا وباشراف قاضي التحقيق بدء جهودا لسبر تفاصيل حياة الضحية .. من يخالطه ويزوره .. من يحادثه .. اين يقضي اوقاته ..

كان الضحية يعيش وحيداً، حياة عادية وهادئة .. لم يكن في شكل هذه الحياة ما يجعله عرضة لما وقع فيه .. هذا الامر صعب على قوى الامن الداخلي في مدينة جرمانا المهمة، وفرض مضاعفة جهود التحقيق ليشمل كل من خالط الضحية، على امل العثور على الخيط الأول الذي يؤدي لفك لغز الجريمة.

بدأت دائرة التحقيقات تصغر شيئاً فشيئاً، بعد اكثر من 70 استجواباً وصلت جهود التحقيق الى المطعم الذي كان يتردد اليه أبو كرار .. تم استجواب الجميع فيه .. وائل كان غائباً.
غياب وائل جعل منه الهدف الآن .. الجميع كان يعلم ان القاتل كان ايضاً يعرف الضحية وكانت علاقته به ودية جداً.
في ذات الوقت كان وائل في حمص امام مشكلة تبرير سبب غيابه عن اهله وكان ينتظر ما ستفرج عنه تحقيقات قوى الامن الداخلي، واضعا في حساباته ان الجريمة ستقيد ضد مجهول وعندها سيعود الى مدينة جرمانا دون ان يشكل ذلك أي خطر عليه..

لدى قوى الامن الداخلي كانت الشكوك حول وائل كبيرة، غيابه منذ يوم الجريمة جعل منه إشارة استفهام كبيرة لابد ان يجيب هو بنفسه عليها .. في ذات الوقت كانت قوى الامن الداخلي حريصة كل الحرص الا تعطي أي إشارة توحي بأن وائل قد اصبح هدفها الأول ..
(كنا منعرف انو عم يتصل مع رفقاتو بجرمانا ليعرف لوين وصل التحقيق وشو صار بالقضية) اختصرت هذه الجملة مقدار الحدس الأمني الذي فكر به المحققون في قسم ناحية جرمانا في التعامل مع وائل وغيابه المشكوك فيه. أي إشارة لوائل قد تصله من أي صديق او مقرب بأنه موضع شكوك او سؤال الأجهزة الأمنية ستؤدي لهربه الى خارج سورية على الفور.. هنا قرر المحققون اللعب مع وائل حركتهم الأخيرة.

استطاعت قوى الامن الداخلي ان تسرب لوائل خبراً كاذباً مفاده انه قد تم القاء القبض على 3 شبان بقضية مقتل أبو كرار وتمت احالتهم للقضاء بعد اعترافهم بالجريمة.. اضافت قوى الامن الداخلي الى هذا الطعم ما يغري وائل بالعودة مسرعاً، حيث تم اخباره عبر ذات المصدر عن زبون يرغب ان ينفذ له وائل وشماً بمبلغ كبير من المال (وائل كان يمارس الوشم بشكل مأجور خارج أوقات عمله بالمطعم) هكذا لعب المال والأمان المزيف بعقل وائل واخذه تفكيره ليقرر العودة الى جرمانا.. مبلغ كبير من المال ينتظره وهناك من اعترف بجريمته.. نهاية لم يكن يحلم بها.

كما كان متوقعاً .. "بلع" القاتل الطعم، عاد وائل الى مدينة جرمانا ليجد قوى الامن الداخلي بانتظاره بتاريخ 5/9/2016، كمين محكم قاده الى ناحية جرمانا، تيقن ان القضية لم تقفل بعد وان المال ليس بانتظاره بل المحققون حيث لم يجد امامه سوى الانهيار والاعتراف بما اقترفت يداه، مرشداً المحققين الى مكان إخفاء ملابسه وسكينه، منتظرا احالته للقضاء لينال جزاء ما اقترفه..