الأربعاء، 18 مايو، 2016

“التزامنية”.. حدث يربطنا بالكون خارج السبب والأثر


الإنسان لاحظ منذ القدم أن أحداثًا كثيرة في حياته ليست من قبيل "الصدفة" وظل الموضوع غامضًا حتى منتصف القرن العشرين حين جاء كارل غوستاف يونغ.


يرى المحلل النفسي الشهير يونغ أن التزامنية هي المبدأ الذي يربطنا بحدثٍ خارجي نشعر أننا متواصلون به مع الآخرين ومع الكون.

فقر الأدوات العلمية

حاول يونغ أن يشرح ما لم يرغب أحد حقًا في فهمه حتى تلك اللحظة، لأن الصدفة كانت الكلمة التي كان العلم قد اخترعها لشرح ما لم يكن يريد أن يفهمه، أو الذي لم يكن يستطيع أن يُحْدِثه مخبريًا بالأدوات التي كان يمتلكها حتى تلك الساعة، وهي الأدوات التي لا يزال يفتقر إليها حتى اليوم.

فهو إذن تعبيرٌ وصفي لربط حدثين غير مرتبطين بقانون السبب والنتيجة، ولكن مرتبطان بحكم أهميتهما ودلالاتها المتبادلة.

جذور التزامنية

يقول يونغ أن جذور الأحداث التزامنية موجودة في اللاوعي الجمعي، وهو ما يعني أن التزامنية هي التزامن عبر الزمن لحدثين أو أكثر، من دون أن تربط بينهما أي علاقة سببية، مع تضمّنهما لنفس المحتوى.

ظواهر موازية دون علاقة سببية

يقول يونج في أحد كتبه “لعل من المناسب جدًا أن ألفت الانتباه نحو سوء فهم محتمل قد يثيره لفظ التزامنية، لقد اخترته لأن تزامنية حدثين مرتبطين بالمعنى وليس بالسببية يبدو لي معيارًا أساسيًا”.

تزامنية وليس تزامنًا

ويتابع “إني أستخدم هنا المفهوم العام للتزامنية بالمعنى الخاص للمصادفة الزمنية لحدثين أو أكثر لا تربط بينها علاقة سببية، ومشحونين بذات المعنى، أو بمعنى مشابه، وهذا على عكس مصطلح “التزامن” العام، والذي لا يعني سوى تزامن الأحداث.”

أبقراط

كان أبقراط في وقته يقول إن هناك ألفة خفية في الكون هي التي تتيح الصدف بفضل تجاذب متبادل.

ويقول أحد المختصين في علم النفس إننا لا نعرف إن كنا سنتحكم في يوم من الأيام في قدرات أرواحنا القوية، وإن كنا سنستطيع أن نربطها عن وعي وإتقان بالكل، للتحكم في التزامنيات، ولكن من المؤكد أن فكرة الصدفة ظلت تفتن الإنسان منذ زمن طويل.

فيثاغورس

أما فيثاغورس، فقد ادعى القدرة على شرح معنى تجاعيد الماء الناجمة عن الرياح، وعلى هذا النحو حاول أن يوضح أن ما يسمى بـ “الصدفة” يمكن أن يؤلف قراءة للحياة، حياة منتظمة حيث كل شيء فيها مرتبط بعضه بالبعض الآخر، وحيث لا شيء غير مجدٍ أو مجردٍ من المعنى، بالنسبة لمن يتقن قراءة كتاب الحياة العظيم.

أنانية

لذلك فالأمر هنا يتعلّق بمسألة تعلم الأبجدية الكونية وإدراك، من خلال إشارات الطبيعة، ما تريد أن تخبرنا به، وبالتالي تعزيز علاقتنا معها، وهو ما لا نفعله الآن بسبب تدميرنا لهذه الإشارات بسلوكاتنا الأنانية.

التبتيون

التبتيون الذين كانوا يهتمون بالتزامنية أكثر من السياسة في انتخاب “حكيمهم” الذي يسمّونه “الدالاي لاما” كانوا يرسلون مجموعة كبيرة من الرهبان إلى جميع أنحاء البلاد عند وفاة زعيمهم، للبحث عن الطفل الذي وُلد بالضبط في ذات اللحظة التي فارق فيها الرجل العجوز الحكيم الحياة. لأن التناسخ (العودة للتجسد) عندهم مرتبط بالتزامنية.

اللاوعي الجمعي

في هذا الموضوع يتحدث يونغ عن علاقة اللاوعي الجمعي بالتزامنية فيقول إن اللاوعي الجمعي حقل نفسي لانهائي يتواجد الحاضر والمستقبل فيه في نفس الوقت، فهو ذاكرة البشرية جمعاء وروح الكون، ووعي كوني مرتبط بكل شيء.

وهو ما يعني أن اللاوعي الجمعي بالنسبة ليونغ يقع خارج السببية والازدواجية، وكل شيء فيه متزامن.

تفسير جديد للإنسان

ويرى علماء ما وراء النفس، استنادًا إلى هذه الحقائق الكامنة في اللاوعي الجمعي، أن كل هذا يقودنا مباشرة إلى تفسير جديد للإنسان في الكون، ولمعنى الحياة.