الأحد، 22 مايو، 2016

سيحيا الإنسان 500 سنة في جسد إبن 25


أتكون الشمس المسؤولة الأولى عن الأمراض والآلام والأورام التي يُصاب بها بنو البشر؟ وهل تكمن الصحة والعافية في العيش في الظلام والديجور وسط بيئة يكاد ينعدم فيها الأوكسيجين؟ لا شك في أنّ هناء الإنسان وصحته وإطالة عمره، هاجس العلماء الذين يواصلون أبحاثهم ودراساتهم لتأمين حياة خالية من الأمراض والآلام لبني البشر ولا سيّما ضمان مستوى أداء جنسي «مرموق» حتى آخر لحظة من عمر الرجل.


يُفرح حيوان صغير لا يزيد حجمه عن بضع سنتيمترات، قلوب الباحثين. والحيوان هذا مجرّد من الوبر والفراء، حتى أنّ جلده الفاتح والزلق Glissant تَقشعرّ له الأبدان ولا يجعله قريباً من القلب، ومع ذلك هو حالياً «معبود» العلماء ويعتبرونه بطل مملكة الحيوانات بلا منازع. لا يعيش سوى في الظلام، تحت سطح الأرض تحديداً، يمقت الضوء ولا يتحمَّل الأنوار، طعامه الرئيسي الثمار والدرنات التي تنمو تحت التراب.

ولقد لاحظ العلماء أنه يعمِّر ما لا يقل عن 30 سنة، ويحافظ على لياقته البدنية ولا يُصاب بالأمراض، ولا يعاني الألم طوال حياته، فيما لا تعيش القوارض الأخرى أكثر من خمس سنوات وتصاب بشتى أنواع الآفات. فهل يكون الحيوان المنمنم هذا، المفتاح الذي يشرّع الأبواب أمام البشرية ويقودها نحو الحياة الطويلة والعمر المديد؟ ومن هو هذا الحيوان الواعد وغير الجذاب؟

إنه فأر الخلد العاري Rat-taupe nu الذي يتميَّز بخصائص استثنائية كالعيش ضمن مجموعة على غرار النحل، حيث تكون الرئاسة لملكة واحدة يكمن عملها الرئيسي في الإنجاب.

واستعرضت مجلة «ساينس» أهم دراستين، استطاعتا تفسير سبب قوة مناعة هذا الحيوان والأسباب الكامنة وراء عدم إصابته بأي نوع من السرطان وطول عمره. وتعزو إحداهما الأمر لامتلاك خلايا فأر الخلد العاري القدرة على تصحيح أي خطأ في عملية إنتاج البروتينات الشاذة في حال حدث خطأ أثناء إنتاجها في الخلية.

أمّا الدراسة الثانية، فكشفت عن جزيئات سكر ضخمة جداً، تفصل خلايا فأر الخلد العاري عن بعضها البعض، فارضة مسافة كبيرة بين خلية وأخرى، وتمنعهما من الالتحام وتشكيل الأورام، الأمر الذي أذهلَ العلماء وحملهم على التفكير بطريقة للاستفادة منه لإيجاد علاج وقائي قد يقضي على السرطان نهائياً بين البشر.

نمط حياة الخلد العاري

يعيش فأر الخلد العاري داخل مجموعات كبيرة قد يتجاوز عددها أحياناً المئات. لا يحق الحمل والإنجاب سوى لأنثى واحدة فقط تُعتبر ملكة المجموعة، وهي تختار عادة ذكرين او ثلاثة لمساعدتها على التكاثر.

تبلغ فترة حمل الملكة نحو 70 يوماً. يزداد حجمها خلال الحمل بشكل غير طبيعي وقد يتضاعف حتى تصبح غير قادرة على التحرُّك داخل الجحر فيطعمها بقية الفئران حتى تلِد نحو 30 فأر خلد عاري، في البطن الواحدة.

والسبب الكامن وراء طول عمر فئران الخلد العارية، يقول العلماء، لأنها لا تخرج من جحورها أبداً.

وعلى ما يبدو من شكلها غير الجذاب بتاتاً، أنها لا تثير شهية أيّ حيوان مفترس ما يُطلق لها العنان في العيش بحرية طوال حياتها فلا «ينقصف» عمرها قبل الأوان.

وما أذهلَ العلماء حقاً، أنها لا تشيخ ولا تهرم، فهي حتى عندما تغدو في أواخر أيامها، تتمتع بالصحة، إذ تبقى نبضات قلوبها قوية وعظامها صلبة ولا تفقد ذاكرتها وفضلاً عن ذلك تحافظ على خصوبتها وأدائها الجنسي الممتاز، ولا تشعر بآلام بسبب التقدُّم في العمر والأهمّ أنها لا تُصاب بالسرطان، وتتمتّع بقدرة مذهلة تعينها على تحمُّل الحياة من دون أوكسيجين تقريباً.

لا يملك فأر الخلد العاري أذنين بل لديه ثقبين، وهو لا يرى تقريباً، لكنه يستطيع التمييز بين النور والظلام، إنه مجرَّد من الشعر إلّا بعض الشعيرات التي تساعده على تحسُّس طريقه عندما يضطر الى التجوّل في الممرات والأنفاق التي يُنشئها بحثاً عن الدرنات والثمار التي تنمو تحت سطح الأرض.
تعيش هذه الحيوانات لمدة 30 سنة، وهي مدة حياة استثنائية لقارض في مِثل حجمها.

فلو قُدّر للبشر تطبيق خصائص فأر الخلد العاري مع الأخذ في الاعتبار طول قاماتهم وعرض أجسامهم، فهذا يعني أنّ الإنسان سيطول عمره ويحيا 500 سنة في جسد شاب لا تزيد سنّه عن 25، ولن يعرف المرض ولا ضعف البنية ولا الشيخوخة.

ويأمل العلماء في تعديل التركيبة البيوكيميائية وعملية التمثيل الغذائي لدى الإنسان، في غضون عقدين او ثلاثة، من خلال الأدوية او العلاجات الجينية لتمسي شبيهة بالتي تحافظ على شباب فأر الخلد العاري وقوته وتَقيه من الأورام الخبيثة.

لمَ لا يُصاب بالسرطان؟

إكتشف علماء جامعة روشستر سرّ مقاومة فأر الخلد العاري للسرطان من خلال زرع خلايا من جلده الذي اختبروه، فلاحظوا بعد بضعة أيام تحوُّلَ السائل الذي كانت الخلايا تنمو في داخله إلى سائل لَزج سببه إفراز الخلايا لنوع من السكر هو الهيالورونان، الذي كثَّف السائل.

وسكر الهيالورونان موجود داخل الجلد والغضاريف والأنسجة لدى الثدييات، هو أحد الجزيئات الكثيرة التي تملأ الفراغات الموجودة بين الخلايا وتدعمها. وينتج فأر الخلد العاري نسخة منه أضخم من جزيئات السكر الموجود لدينا بنحو خمسة أضعاف.

ويعتقد علماء جامعة روشستر أنّ الكمية الكبيرة من الهيالورونان تحبس الخلايا السرطانية المحتملة، وتمنعها من الإفلات والنمو لتصبح أوراماً. فعندما يقترب الهيالورونان من الخلايا السرطانية، يلتصق بسطحها ويطلق برنامجاً جينياً يمنعها من النمو.

ماذا يعني هذا الاكتشاف؟

قد يكون مغرياً التفكير في أنّ الهيالورونان يحمل سرّ القضاء على مرض السرطان، هذا ما يوضحه العلماء، لكن علينا التعمُّق بحذر في الأمر، ففي الأيام الأولى من أبحاث الهيالورونان، اكتشفنا أنّ الجزيئات بَدت أنها تمنع الإصابة بالسرطان وتتسبَّبُ فيه في الوقت نفسه. لمَ يا ترى؟

يجيب العالم بريان تول من جامعة ساوث كارولينا الطبية، قائلاً: «اكتشفنا أنّ حجم السكر هو المسؤول عن طبيعته المزدوجة هذه، وانّ التركيزات المرتفعة للنُّسَخ الكبيرة الحجم هي التي تكبح الخلايا وتحول دون تحوُّلها إلى خلايا سرطانية، بينما تسبب النُسَخ الأصغر حجماً السرطان. لذا تعمل الأشكال الكبيرة الحجم على قمع الالتهاب، بينما تعمل الأشكال الأصغر حجماً على تفاقمه، الأمر الذي ربما يكون وثيق الصلة بالسرطان بما أنّ الالتهاب يرتبط بكثير من الأورام».