الأحد، 6 ديسمبر، 2015

“البشعة”.. أداة “رهيبة” استخدمها العرب لتبرئة المتهم أو إدانته.. هل تعرفونها؟


رغم أن الكثير من أشكال القضاء البدوي قد اندثرت بعد إلغاء العمل بقوانينها في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية ما زالت" البشعة" وسيلة قضائية عرفية يحتكم إليها بعض البدو على امتداد البوادي العربية رغم التطور الكبير الذي طرأ على وسائل الكشف الجنائي ، فحين تكون القضية أمام القاضي ولا يعترف المتهم بارتكاب جرمه يحتكم إلى البشعة وهي عبارة عن "محماسة" من الحديد يتم تسخينها حتى تصبح كالجمرة وعلى المتهم أن يلعقها لبيان الحق فإذا لم تحرق لسانه كان المتهم بريئاً والعكس صحيح.


والغريب في الأمر أن هذه الطريقة في المقاضاة لا تزال شائعة في أوساط البدو يلجأ إليها للكشف عن الجناة في بعض القضايا وهم يعتمدون على هذه الطريقة العرفية كلما تعلق الأمر بجريمة قد تحدث ملابساتها فضيحة تمس الشرف أو الكرامة ، ويقول علماء الاجتماع أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حيلة، فالشخص الواثق من نفسه لا تفرز الغدد لديه مادة الأدرينالين وبالتالي يكون اللسان رطباً ولا تظهر عليه آثار الحريق، أما الشخص الخائف أو المضطرب فتفرز غدده هذه المادة فيجف حلقه وبالتالي تظهر عليه آثار النار عقب لحسه للبشعة، وهذه الظاهرة تشبه كثيراً جهاز كشف الكذب الذي يستند إلى العامل النفسي ويستطيع الكثيرون التحايل عليه بالتدريب المستمر وكذلك الأمر في البشعة.

طقوس ومراسم خاصة !
وللبشعة طقوس ومراسم لا تصح إلا بها- كما يقول الباحث في شؤون البادية ( حسن خضير المقبل ) إذ يجلس المبشِّع على الأرض بجانب النار ويضع يد المحماسة المسطح في قلب الجمر ثم يجلس المتهم بجانبه بينما يجلس بقية الخصوم والشهود يشاهدون ما يجري ويستغرق تسخين المحماسة وقتاً طويلاً بينما يواصل المبشع استخراجها وهي حمراء ثم ينظر إليها ويقلبها ويضعها ثانية في النار ويتم هذا كله أمام ناظري المتهم وخلال تلك الفترة فإنه المبشع يتحدث باستمرار طالباً من المتهم إظهار الحق بدل اللجوء إلى البشعة التي تلحق به ضرراً كبيراً إذا كان كاذباً ، وإذا لم يعترف المتهم يأمره المبشع بإخراج لسانه من فمه إلى الأمام وبمهارة فائقة يضع الحديدة المحماة( البشعة) على لسانه بخفة ثم يرفعها بأسرع ما يستطيع فإذا تركت أثراً في لسان الرجل المحلف عُد مداناً وإذا لم تترك أثراً كان بريئاً.ويرى الدكتور النفساني " إياد حيدر" أن الجانب النفسي يلعب دورا كبيراً فيما يسميه البدو" البشعة " لأن الجاني في هذه الحالة يكون خائفاً والمعروف أن اللعاب يجف في فم الخائف في حين ينعكس الأمر بالنسبة إلى البريء، وبما أن اللعاب مادة ممتصة للحرارة ومخففة لها فإن البشعة في هذه الحالة لا تضر البريء الذي لا يجف لسانه بطبيعة الحال، بينما تفتك البشعة بلسان المذنب الذي لا تكسو لسانه طبقة لعاب تحميه من نيرانها.

وسيلة ابتزاز
تنطوي عملية البشعة على أسس سحرية والأسلوب الذي تنفذ به على الأشخاص المتهمين يحول دون لحاق الضرر باللسان وهي بالتالي ليست سوى وسيلة ابتزاز وتجهيل وتضييع للحقوق وإثارة الفتن بين الناس، فهي طريقة عقيمة لكشف الحقيقة وتشبه عمليات التنجيم والحظ وما شابه ذلك من الظواهر السلبية التي تقوم على الخرافة والدجل والأوهام ، ويرى محمد الاسمر – موظف "وطن" أن "البشعة مثل غيرها من العادات والتقاليد السلبية لازالت سائدة في الأرياف والبوادي على حد سواء يلجأ إليها بعض الناس للكشف عن الجُناة والمذنبين في الكثير من القضايا بدل اللجوء إلى وسائل الاحتكام القانونية الرسمية المعروفة وهذا يدل برأيي على شيوع الخرافة والجهل في أوساط الكثير من الناس الذين يلجأون إلى مثل هذه الممارسات الخاطئة .ويرى حمزة النجار– مدرس – أن "هذه الظاهرة شيطانية محرمة يلجأ إليها ضعاف الإيمان بالله تعالى من المدعين في قضية ما ، فلا يقبلون من المدعي عليه اليمين ظناً منهم أن في البشعة إظهاراً للحق أكثر من القسم ،كذلك يُلجأ إلى هذه الطريقة إذا كان المدعي عليه ممن يُشك في صحة شهادتهم أو ممن سبق له أن شهد شهادة زور أو أقدم على حلف اليمين الكاذبة ولا تقتصر البشعة على الحديد والنار بل قد يلجأ بعض البدو وخاصة في الجزيرة السورية إلى الثعبان لإظهار الحق واختبار المتهم بجرم لتجريمه أو تبرئته حيث يأتي أهل المتهم وخصومهم إلى " العارفة" الذي يقوم بوضع ثعبان ضخم مخصص لهذه الطريقة في منتصف بيت الشعر بين مجموعة المتخاصمين ويتجه الثعبان من تلقائه إلى الجاني ينفخ السم في وجهه كما يقول " نايف الجربا " – أحد أبناء الجزيرة السورية – مؤكداً أن البشعة التي تسمى عندهم ( البلعة) هي المرجح القضائي الأخير للبت في القضايا الاجتماعية الكبرى مثل قضايا القتل والشرف وغير ذلك عند جزء كبير من بدو الجزيرة .