الثلاثاء، 4 نوفمبر، 2014

كيف يمكن أن يؤثر انخفاض أسعار النفط على اقتصاديات دول الخليج؟

لا يمكن أن يمر الانخفاض الحالي غير المسبوق منذ أكثر من 4 سنوات في أسعار النفط دون أن نطرح أحد أكثر الأسئلة أهمية، ما أهم انعكاسات هذا الانخفاض على الدول التي تعتمد على النفط كمورد رئيسي للدخل في موازناتها العامة؟ تأتي على رأس هذه الدول بالطبع دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية المنتج الأول للنفط عالميًا بواقع أكثر من 9.7 مليون برميل يوميًا.


جدير بالذكر أن الربع الأخير من هذا العام قد شهد انخفاضًا غير مسبوق في أسعار النفط ليصل سعر البرميل من مزيج برنت إلى ما دون مستوى 85 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الأسبوع الماضي قبل أن يشهد تعافيًا نسبيًا ليصل إلى 87 دولار للبرميل، بانخفاض تخطى حاجز الـ«20 دولارًا» في البرميل الواحد مقارنة بالأسعار في بداية العام التي تخطت حاجز الـ «115 دولار» للبرميل بفعل الاضطرابات في العراق وليبيا، وبذلك تبلغ نسبة انخفاض حوالي 25%.

كم يبلغ إنتاج دول الخليج من النفط؟ وإلى أي مدى يبلغ اعتمادها عليه كمورد للدخل؟


يشكل النفط ما يقرب من نصف الناتج المحلي لدول الخليج مجتمعة “49%”، وتمتلك هذه الدول أكبر احتياطي نفطي عالمي يقدر بـ486.8 مليار برميل بما بعادل 35.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط وما نسبته 70% من إجمالي الاحتياطي العالمي لأوبك.

وتعتمد موازنات الدول الخليجية بشكل كبير على سعر برميل النفط في احتساب موازناتها العامة، حيث يحدد سعر البرميل ما إذا كانت الموازنة ستحقق فائضًا أم عجزًا في نهاية السنة المالية وكانت السعودية الأعلى بين دول الخليج في تقدير سعر النفط في موازنتها العامة عند 90 دولار/للبرميل، بينما قدرته الكويت عند 70 دولار/للبرميل وقطر عند 65 دولار/للبرميل.

ما هي أكثر الدول الخليجية اعتمادًا على النفط في موازنتها العامة؟


قد تكون أكثر الاقتصاديات تأثرًا بالتذبذب في أسعار النفط في تلك الدول التي تعتمد على عائدات النفط بصورة أكبر في موازنتها العامة، وفقا لتقرير موقع مباشر الاقتصادي حول تأثير تقلبات أسعار النفط على معدلات النمو في دول الخليج، تأتي الكويت على رأس تلك الدول حيث يستحوذ القطاع النفطي على 64% من الناتج المحلي الإجمالي بينما تبلغ النسبة 54% في قطر و49% في عمان و47% في السعودية وأخيرًا تبلغ النسبة في الإمارات والبحرين 32% و28% على الترتيب.

والجدول التالي يوضع قائمة الإيرادات والإنفاقات في موازنة عام 2013 في بعض دول الخليج.

ما هي أكثر الدول تضررًا حال استمرار الانخفاض في أسعار النفط؟

ووفقًا للبيانات السابقة يفترض أن أكثر الاقتصاديات الخليجية تأثرًا بانخفاض أسعار النفط هي الكويت إلا أن الموازنة الكويتية تتمتع بأمان نسبي نظرًا لأن سعر البرميل المعتمد للموازنة هو 70 دولارًا.

أما عن قطر برغم اعتمادها على النفط بنسبة كبيرة إلا ان الاقتصاد القطري قد شهد نموًا كبيرًا خلال الخمس سنوات الأخيرة على مستوى القطاعات غير النفطية حيث سجلت معدل نمو سنوي مركب يصل إلى 18% في السنوات الخمس الأخيرة، إضافة إلى التقدير المنخفض لسعر البرميل في الموازنة القطرية “65 دولارًا”.

تبدو المملكة العربية السعودية أكثر الدول عرضة للتضرر حيث تتمتع بوضع خاص بين دول الخليج نظرًا للعدد المرتفع نسبيًا للسكان الأمر الذي يصعب من خطط تقليص الإنفاق الحكومي مقارنة بسائر الدول، إضافة إلى التقدير المرتفع لسعر البرميل في الموازنة السعودية “90 دولارًا” الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للاضطراب بانخفاض أسعار النفط.

على ذات الصعيد تتمتع الإمارات بأمان نسبي عن تقلبات أسعار النفط بسبب تنوع موارد الاقتصاد حيث تعتمد الإمارات على عائدات النفط بنسبة لا تزيد عن 33% إضافة إلى انخفاض تقدير الموازنة الإماراتية لسعر البرميل عند 75 دولار فقط.

وحذرت تقارير من الانخفاض التدريجي للفوائض النقدية في موازنات دول الخليج، وتبدو السعودية هي المتضرر الأكبر حيث توقعت تقارير أن ينخفض الفائض المالي للموازنة السعودية إلى 2.5% فقط من إجمالي الموازنة خلال عام 2014 الأمر الذي قد يتطور إلى حدوث عجز بالموازنة ربما خلال عام 2015 وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي إذا استمر الانخفاض دون مستوى 89 دولارًا للبرميل.


وتتمتع دول الخليج وخاصة السعودية بفائض كبير في موازناتها السابقة قد يتيح لها الإنفاق على مشاريع النمو الاقتصادي خلال الأعوام التالية بفرض استمرار الانخفاض في أسعار النفط، على المدى المتوسط والطويل قد تكون هذه الدول في حاجة إلى صناعة شيء من التوازن في مواردها عبر الاهتمام بتعزيز الموارد غير النفطية حيث حذرت وكالة ستاندرد آند بورز العالمية في تقريرها الأخير عن اقتصاديات دول التعاون من أن اعتماد الحكومات الخليجية على إيرادات النفط والغاز يشكل نقطة ضعف رئيسية لاقتصادات وتصنيفات هذه الدول، وبالتالي يشكل مخاطر ائتمانية.

ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي في التقرير الصادر مطلع الشهر الحالي فإن متوسط معدلات النمو المتوقعة لدول الخليج خلال العام القادم سوف يدور حول 4.5% ولكن التقرير قد حذر في الوقت ذاته من تأثير الانخفاض المستمر في أسعار النفط على معدلات النمو في المستقبل.

كيف يرى المسؤولون في هذه الدول تأثير موجة الانخفاض على اقتصاديات بلادهم؟

ورغم إصرار المسؤولين في هذه الدول على أن الانخفاض الحالي في أسعار النفط لن يؤثر بشكل كبير على اقتصادياتها وعلى رأس هؤلاء وزير البترول السعودي علي النعيمي الذي استبعد أن يشكل انخفاض أسعار النفط مشكلة كبيرة على الاقتصاد السعودي حيث يشير مسؤولون سعوديون إلى أن استعداد بلادهم لتحمل انخفاض أكبر في الأسعار في مقابل الحفاظ على معدل الإنتاج والحصة السوقية.

من جانبه حذر الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال من أن موجة الهبوط الأخيرة في أسعار النفط العالمية يجب أن تثير قلق السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم وحذر من التأثير السلبي لهذا الهبوط على إيرادات الدولة معبرًا عن استنكاره لتصريحات النعيمي التي تهدف إلى التقليل أو التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية واقتصاد السعودية جراء التراجع الكبير في أسعار النفط.

على الجانب الإماراتي، أكد وكيل وزارة الاقتصاد محمد بن عبد العزيز الشحي أن انخفاض أسعار النفط لن يضر بالناتج المحلي الإماراتي خلال العام الحالي، مشيرًا أن النفط لا يمثل سوى 30% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، موضحًا أن اقتصاد الإمارات أضحى أكثر تنوعًا.

وعلى الجانب الإيراني، نقل موقع وزارة النفط الإيرانية على الإنترنت عن نائب وزير النفط الإيراني والعضو المنتدب لشركة النفط الوطنية الإيرانية ركن الدين جوادي قوله “إن هبوط أسعار النفط لن يدوم طويلًا ومن المستبعد أن يضر بميزانية البلاد”، على النقيض جاءت التصريحات السابقة لوزير النفط الإيراني “بيغن زنغنة” مطلع الشعر الجاري أكثر تشاؤمًا حيث طالب بيغن الدول الأعضاء في أوبك بالقيام بجهود مشتركة لمنع المزيد من الانخفاض في أسعار الخام داعيًا في الوقت ذاته الدول الأعضاء في أوبك أن تعمل على ضبط الإنتاج لتفادي زعزعة استقرار الأسعار أكثر من ذلك. 

ويعزو المسؤولون الخليجيون السبب الرئيسي للانخفاض الكبير في أسعار النفط إلى الارتفاع الحاصل في سعر صرف الدولار “يقيم النفط بالدولار” متوقعين أن تتحسن الأسعار نسبيًا لتصل إلى مستوى بين “90-95 دولار” مع دخول فصل الشتاء تزامنًا مع زيادة الطلب على الوقود لأغراض التدفئة.

بالنظر إلى المستقبل القريب هناك عدة عوامل قد تؤشر إلى استمرار أسعار النفط في الانخفاض أهمها تمسك دول أوبك بحصتها الإنتاجية إضافة إلى الزيادة المتوقعة في الإنتاج من ليبيا والعراق إضافة إلى الدول غير الأعضاء في أوبك، بينما توجد عوامل أخرى تؤشر إلى انخفاض الأسعار على رأسها الارتفاع المتوقع في الطلب نتيجة دخول فصل الشتاء، إضافة إلى التوجه المتوقع للولايات المتحدة لخفض سعر الدولار تجنبًا للعجز المرتفع في الموازنة “زيادة سعر الدولار تعني انخفاض الصادرات وزيادة الواردات” بعد أن تنهي مغامرتها العقابية تجاه الجانب الروسي، إضافة إلى كون الانخفاض الكبير للأسعار سيدفع الدول التي تتحمل تكاليف الإنتاج المرتفعة إلى خفض إنتاجها مما قد يتسبب في انخفاض ملحوظ في كمية المعروض مصحوبًا بارتفاع الأسعار من جديد.