السبت، 22 أكتوبر، 2016

في لبنان.. برنامج ترفيهي أم "سوق" لبيع النساء على الهواء؟!


ولّى الزمن الذي كانت تبحث فيه الأم عن زوجة "محترمة" لولدها. وجاء الزمن الذي ترتجي فيه المرأة "الجريئة" لقاءً تعارفيّا من رجل تتنافس عليه 29 امرأة أخرى، لعلّه يتم النصيب، و"تنقش". الكلام ليس سورياليا، ولا مبالغة فيه، إنما يشكل توصيفا عاما لبرنامج "take me out نقشت" الذي يقدّمه الممثل فؤاد يمين على قناة lbc اللبنانية. التوصيف العام للبرنامج بحدّ ذاته قد يصدم قارئ المقال. وما بالك يا قارئ في تفاصيل البرنامج، وما يدور من حوار ونقاش بين المقدّم والمشتركات. قد حضر الشيطان في تفاصيل الحوار، في المظهر والايحاءات، في كل شيء!!


يبدأ البرنامج باستعراض النساء لأنفسهنّ على وقع موسيقى صاخبة. نساء أشبه بعارضات أزياء يتوزّعن على أماكنهن، نصفهن على اليمين، والنصف الآخر على اليسار. يقوم المقدّم بجولة سريعة على المشتركات طارحا أسئلة هابطة تستوجب أجوبة "رديئة". لا مجال للنساء غير المعروفات فرصة التعريف عن أنفسهن! القائمون على البرنامج أطلقوا توصيفهم الخاص عليهن. أسموهنّ بـ"الجريئات" والرجل بـ"المهضوم". تسميات تشير الى المنحى الهابط الذي يتخذه البرنامج: هضامة مصطنعة تستثير مواقف جريئة من النساء، والتي نسمّيها وفق المنظور الاخلاقي بالـ"وقحة".

لا يكفّ الاعلام اللبناني عن استيراد البرامج الجاهزة فكرا وقالبا من الغرب. فالبرنامج محور النقد هو نسخة من البرنامج البريطاني take me out . يلاقي البرنامج في الغرب رواجا كبيرا وتفاعلا إيجابيا من الجمهور. ولكن في لبنان، الأمر يختلف. انقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض. والمعارضة مفهومة في بلد عربي تشكّل فيه الأديان، وما تشتمل عليه من قيم أخلاقية، محور حياة اللبنانيين، خاصة ان البرنامج تخطّى الحدود الاخلاقية.

في كتابها " قضايا التبعية الاعلامية والثقافية في العالم الثالث"، تصف الباحثة الاعلامية د.عواطف عبد الرحمن البرامج المستوردة بالـ"الأحزمة الناقلة" التي يتم من خلالها ترويج القيم الإجتماعية والثقافية من البلدان الأخرى، محذرة من تعرّض مقومات الشخصية العربية والثقافية والقومية للتشويه والمسخ والإغتراب الحاد!!! وتضيف عبد الرحمن، أن برامج الترفيه المستوردة ترسّخ صور الحياة الاستهلاكية في الدول الرأسمالية المتقدّمة، وتعمل على خلق الحاجة الى التوسع الاستهلاكي". صدقت الباحثة الاعلامية في كلامها، إذ حضرت ثقافة الاستهلاك بقوة في البرنامج. تبدأ في اللباس ومظهر المشتركات الذي يدفع بالنساء العاديات الى شراء مستحضرات التجميل وأدوية التنحيف للتمثل بالمشتركات اللواتي يرغبهن الرجل. حتى المشاهد الرجل لم يفلت من فخ اثارة الحاجات الجمالية، إذ اخذت ثياب المشترك حيّزا كبيرا من التصوير. ولا ينتهي ترويج الاستهلاك في مضمون الكلام،إذ الرجل يحسم قراره باختيار المرأة التي قد تصبح شريكة حياته بسؤال آخر مشتركتين متبقيتين عن أكلتهما المفضلة!! مع الإشارة الى أن السؤال كان باللغة الانكليزية، وكانت الاجابات بالـ Sushi والـ Pasta.

غاب حديث الفكر والعقل عن البرنامج. كانت الشهوات المادية سيّدة الموقف. يسأل مقدم البرنامج إحدى المشتركات عن سبب رفضها الرجل، تردّ مستهزئة بلباس المشترك، " شو جاي على دبكة". بينما تحلم أخرى برجل يملك سيارة وأموال كثيرة. لم تبد أي من المشتركات حرصها على أن يكون الرجل مثقفا، خلوقا، صادقا..... ثلاثون مشتركة لم تمثل سوى عينة واحدة من النساء، تلك المتغرّبات المادّيات.

التقليد الأعمى طال حتى فكر المشتركات، وانحصر مضمون الكلام في الماديات والشهوات. يفسّر العالم الاجتماعي بيار بورديو ذلك بـ"منطق لعبة اللغة". يكشف بورديو في كتابه "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول" عن التواطؤ الذي يتمّ بين المقدّم والمشتركات، بحيث يتم الاتفاق على لغة مشتركة، بمعنى آخر الاتفاق بما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال. وعن الصراع الذي ينشب بين الرجل والمشتركة المترفّعة عنه، يشبهه بورديو بالمصارعة الحرة إذ يعتبره قاعدة من قواعد اللعبة ومن شأنه أن يُحدث متعة وتشويق للمشاهد.

لا تتوان غالبية المؤسسات الاعلامية عن ممارسة "العنف الرمزي" على المشاهد. عنف يشتمل على الألفاظ السوقية والمشاهد غير الأخلاقية. إفتقارها الى الإبداع الفكري وانبهارها بثقافة الغرب، يدفعان بالمؤسسات الاعلامية الى استيراد برامج جاهزة، متناسين أن الاعلام يخضع لسياق اجتماعي واخلاقي وتربوي يختلف باختلاف الجغرافيا والثقافات. بالتالي، ما يعرض في الغرب، لا يمكن أن يتوافق مع المنظومة القيمة للمجتمعات الأخرى. كل هذه الإعتبارات يتناساها "حراس البوابة الاعلامية" لصالح الأموال والأرباح. خلاصة يؤيدها بورديو بقوة : منطق المال والتجارة هو من يحكم طبيعة العمل التلفزيوني، لا الأخلاق والمهنية!!!